اخبار السعودية

هكذا يقضي السعوديون أوقاتهم.. قراءة في إحصاءات الثقافة والترفيه

هكذا يقضي السعوديون أوقاتهم.. قراءة في إحصاءات الثقافة والترفيه

هكذا يقضي السعوديون أوقاتهم: قراءة في إحصاءات الثقافة والترفيه لعام 2024

لم يعد الترفيه في المملكة مجرد نشاط ثانوي يُمارس عند الفراغ، بل أصبح مؤشراً اجتماعياً واقتصادياً يعكس جودة الحياة والثقة بالمستقبل، ويكشف عن التحولات الكبيرة التي يعيشها المجتمع السعودي. مسح الثقافة والترفيه الأسري 2024 الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء يؤكد أن الأسرة السعودية اليوم تتبنى الترفيه جزءاً أساسياً من حياتها اليومية، سواء عبر الخروج للفعاليات أو ممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية، مما يعكس تحولاً من عقلية “الترفيه المؤجل” إلى نمط حياة متكامل.

تحوّل سلوك المجتمع نحو المشاركة

تشير الأرقام إلى أن أكثر من أربعة أخماس السكان زاروا أماكن للفعاليات أو الأنشطة الثقافية خلال عام واحد. هذا لا يعكس فقط وفرة الخيارات المتاحة، بل يُظهر انتقالاً من الاكتفاء بالمشاهدة إلى المشاركة الفعلية، ومن انتظار المناسبات الكبرى إلى جعل الترفيه نشاطاً يومياً. الثقافة لم تعد حكرًا على النخب، بل امتدت إلى الحدائق العامة، والمهرجانات المفتوحة، ودور السينما، والاحتفالات الوطنية، حيث أصبح المجتمع السعودي يشارك العائلة والأصدقاء في التجربة نفسها.

وتتصدر الحدائق والمتنزهات المشهد، إذ يقصدها قرابة ثلثي السكان. هذا التحول يعكس إعادة تعريف للرفاهية: ترفيه بلا كلفة عالية، بسيط، متاح للجميع، ويعيد الاعتبار لفكرة أن المتعة قد تكون في بساطة التجربة لا في الفخامة. أما الأنشطة الثقافية التقليدية مثل الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية، فقد انخفض حضورها في الإحصاءات المباشرة، لكنها استمرت عبر المنصات الرقمية التي أعادت تشكيل العلاقة مع الجمهور.

من المشاركة إلى الإنتاج الثقافي

حول 40% من السكان نشاطهم الثقافي إلى ممارسة فعلية. تصدّر الطهي هذه الممارسات، ليس كضرورة يومية، بل كفعل إبداعي وتجربة ثقافية، مع انتشار ثقافة مشاركة الوصفات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تليها الفنون الجميلة، والكتابة، والتصوير، ما يعكس نزعة متنامية نحو الإنتاج الثقافي حتى وإن كانت بعض المجالات المتخصصة مثل تصميم الأزياء محدودة الانتشار.

القراءة: مؤشر واضح على العلاقة بالمعرفة

ما يقارب نصف السكان يقرؤون الكتب، وهو ما يُظهر أن الاهتمام بالمعرفة لم يتراجع رغم سيطرة الشاشات الرقمية. الصحف والمجلات الورقية سجلت حضوراً أقل، لكن القارئ لم يختفِ، بل انتقل إلى وسائط رقمية وأساليب جديدة للوصول للمحتوى.

الترفيه اليومي: تجربة حياتية متكاملة

زيارة المجمعات التجارية لم تعد مجرد تسوق، بل أصبحت فضاءات اجتماعية متكاملة تشمل مطاعم، سينما، فعاليات ومساحات للتجمع والمشي. وعلى الجانب الآخر، حافظت الرحلات البرية والبحرية على جاذبيتها القديمة، كملاذ طبيعي يوازي في تأثيره النفسي أحدث التجارب الحضرية.

فيما يخص النشاط البدني والرياضة، تمارس الغالبية العظمى من السكان نشاطاً ترفيهياً أو رياضياً خلال أوقات الفراغ، مع تصدر المشي كأكثر النشاطات شعبية لسهولة ممارسته وفاعليته الصحية، بينما تظل كرة القدم حاضرة لكنها جزء من تنوع أوسع للخيارات الرياضية والترفيهية.

الثقافة والترفيه مرآة لتحولات المجتمع

ما تكشفه هذه الأرقام هو أن الثقافة والترفيه أصبحا جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية. الأسر السعودية اليوم أكثر خروجاً وتجربة، وتستثمر وقت فراغها في أنشطة كانت تُعتبر سابقاً كماليات. هذا التحول لم يحدث صدفة، بل نتيجة سياسات عامة ناجحة، بنية تحتية متطورة، وتغير في توقعات الأفراد لما يعنيه العيش الجيد.

في النهاية، لا تعكس الإحصاءات مجرد نسب، بل تفاصيل الحياة اليومية: عائلة تختار الحديقة بدل البقاء في المنزل، شاب يجعل من المشي طقساً يومياً، قارئة تعود إلى الكتاب، وطاهٍ هاوٍ يجرّب وصفة جديدة. هذه التفاصيل، حين تتجمع، ترسم ملامح مجتمع يعيد اكتشاف نفسه، ويعطي للفراغ قيمة جديدة كمساحة حياة ورفاهية.

السابق
“القدّية” تعزّز التنوع الاقتصادي بمساهمة متوقعة بـ”44″ ملياراً و”85″ ألف وظيفة بحلول 2030